الشعر والحب- سيمفونية تعزفها القلوب، لا تفرق بين ملك أو مملوك

المؤلف: نجيب يماني08.29.2025
الشعر والحب- سيمفونية تعزفها القلوب، لا تفرق بين ملك أو مملوك

يُحكى أن الخليفة المأمون سأل نُدمائه: "أيُّ منكم يستطيع أن يُنشدني بيتًا شعريًا يُستدلّ به على أن قائله ملك، حتى وإن لم نعرف اسم الشاعر؟" فأنشده أحدهم قول امرئ القيس:

أمن أجل أعرابية حل أهلها

جنوب الملا عيناك تبتدران

فأجابه المأمون مُستنكرًا: "ما أصبت! فأي دلالة في هذا الشعر تشير إلى أن قائله ملك؟ ألا يمكن أن يكون قائل هذا الكلام عاميًا من أهل الحضر، يؤنب نفسه على تعلقه بامرأة من الأعراب؟" ثم أردف قائلاً: "الشعر الذي يدلّ حقًا على أن قائله ملك هو قول الوليد بن يزيد:

إسقني من سُلاف ريقِ سُليمى

واسقِ هذا النديم كأسا عقارا

ثم التفت إلى جلسائه معقبًا: "ألا ترون إلى إشارته في قوله 'هذا النديم'؟ إنها إشارة ملكية واضحة!"

إلا أن هذه الرواية قد تكون من محض خيال الرواة، فليس بالضرورة أن يكون الشعر أو الإشارة فيه دليلًا قاطعًا على أن قائله ذو شأن رفيع، سواء كان ملكًا أو أميرًا، وليس من عامة الناس، بل وحتى من الموالي، كما كان شائعًا في الدولة العباسية.

فالشعر الحقيقي لا يحمل ختمًا خاصًا يميز شعر الملوك عن غيرهم من الشعراء، سواء كانوا صعاليك، مبدعين، مقلدين، وجدانيين، أو حتى متصوفين، فضلًا عن المنتمين إلى طائفة الفقهاء، مثل عروة بن أذينة الذي قال:

إِنَّ الَّتي زَعَمَت فُؤادَكَ مَلها

خُلِقَت هَواكَ كَما خُلِقتَ هَوىً لَها

فَإِذا وَجَدتُ لَها وَساوِسَ سَلوَةٍ

شَفَعَ الضَميرُ إِلى الفُؤادِ فَسَلَّها

بَيضاءُ باكَرَها النَعيمُ فَصاغَها

بِلَباقَةٍ فَأَدَقَّها وَأَجَلَّها

إِنّي لَأَكتُمُ في الحَشا مِن حُبِّها

وَجداً لَوَ اَصبَحَ فَوقَها لَأَظَلَّها

وَيَبيتُ تَحتَ جَوانِحي حُبٌّ لَها

لَو كانَ تَحتَ فِراشِها لَأَقَلَّها

فالشعر ما هو إلا تعبير عن فيض المشاعر الجياشة التي تعتمل في القلب، ترجمة صادقة لأسرار النفس الإنسانية وخبايا القلوب.

يجسد الشعراء في قصائدهم أحلامهم الوردية وانفعالات قلوبهم، وهذه المشاعر العميقة ليست حكرًا على فئة معينة، فالاحتراق بنار الحب والشوق قد يملكه الجميع، وقد يقع الملك نفسه أسيرًا للحب، متذللًا في شعره لمن يهوى.

وكذلك حال الفقير المعدم، فكلاهما يخضعان لسلطان الحب الجارف، إنها سيمفونية الحب العذبة التي تعزفها أنامل القلب، مفعمة بالحرارة والصدق، معلنة عن تأثير الحب العميق في قلوب الشعراء والهائمين، مهما اختلفت صفاتهم ومراكزهم الاجتماعية.

ولعل من أبرز الأمثلة على ذلك هو امرؤ القيس، أمير شعراء الجاهلية، الذي تذلل لحبيبته في أبياته، وكأنها هي الآمرة الناهية:

أغَرَّكِ مِنِّي أنَّ حُبَّكِ قَاتِلِي

وأنَّكِ مَهْمَا تَأْمُرِي القَلْبَ يَفْعَلِ

وأنك قسمت الفؤاد، فنصفه

قتيلٌ ونصفٌ بالحديد مكبل

وَمَا ذَرَفَتْ عَيْنَاكِ إلاَّ لِتَضْرِبِي

بِسَهْمَيْكِ فِي أعْشَارِ قَلْبٍ مُقَتَّلِ

أفاطِمَ مَهْلاً بَعْضَ هَذَا التَّدَلُّلِ

وإِنْ كُنْتِ قَدْ أزْمَعْتِ صَرْمِي فَأَجْمِلِي

وإِنْ تَكُ قَدْ سَاءَتْكِ مِنِّي خَلِيقَةٌ

فَسُلِّي ثِيَابِي مِنْ ثِيَابِكِ تَنْسُلِ

وهذا الخليفة المستعين بالله، حاكم الأندلس، يبوح بحبه ويظهر تذلله لمحبوبته قائلاً:

لا تعذلوا ملكاً تدلل للهوى

ذل الهوى عز وملك ثاني

ويقول أيضًا:

عجباً يهاب الليث حد سناني

وأهاب لحظ فواتر الأجفان

وهذا الخليفة المهدي ابن جعفر المنصور

يروي لنا قصة عشقه لجارية اسمها حسنة قائلاً:

أرى ماء وبي عطش شديد

ولكن لا سبيل إلى الورود

أما يكفيك أنك تملكيني

وأن الناس كلهم عبيدي

وأنك لو قطعت يدي ورجلي

لقلت من الرضا أحسنت زيدي

وها هو الخليفة يزيد بن معاوية يترنم قائلاً:

خذوا بدمي ذات الوشاح فإنني

رأيت بعيني في أناملها دمي

ولا تقتلوها إن ظفرتم بقتلها

بلى خبروها بعد موتي بمأتمي

ويقول، وهو الخليفة ذو السلطان والنفوذ:

سألتها الوصل قالت لا تغُر بنا

من رام منا وصالاً مات بالكمد

فكم قتيل لنا بالحب مات جوى

من الغرام ولم يبدِ ولم يعد

فقلت استغفر الرحمن من زلل

إن المحب قليل الصبر والجلد

قد خلفتني طريحاً وهي قائلة

تأملوا كيف فعل الظبيّ بالأسد

إذًا، لا يوجد شعر خاص بالملوك أو العبيد، فالشعر هو مرآة تعكس جانبًا حيويًا من حياة الإنسان، ينقل إلينا أحاسيسه ومشاعره التي لا يستطيع كتمانها؛ لأن الدافع الأساسي لقول الشعر هو العشق، تلك الغريزة الفطرية الكامنة في النفس الإنسانية، التي أودعها الله فينا دون تمييز بين رفيع القدر ووضيعه، بين صاحب السلطان ومن لا يملكها، حتى الأعمى يتساوى مع البصير في هذه الغريزة، ولنا في بشار عبرة، إذ يقول في معشوقته:

لم يطل ليلي ولكن لم أنم

ونفى عني الكرى طيف ألم

نفسي يا عبد عني واعلمي

أنني يا عبد من لحم ودم

إن في بردي جسماً ناحلاً

لو توكأت عليه لانهدم

ختم الحب لها في عنقي

موضع الخاتم من أهل الذمم

وإذا قلت لها جودي لنا

خرجت بالصمت عن لا ونعم

ويفند ابن زيدون مقولة "شعر الملوك" بأبياته الخالدة التي نظمها لولادة، معبرًا عن لواعج الشوق:

أَرخَصتِني مِن بَعدِ ما أَغلَيتِني

وَحَطَطتِني وَلَطالَما أَعلَيتِني

بادَرتِني بِالعَزلِ عَن خُطَطِ الرِضى

وَلَقَد مَحضتُ النُصحَ إِذ وَلَّيتِني

هَلّا وَقَد أَعلَقتِني شَرَكَ الهَوى

عَلَّلتِني بِالوَصلِ أَو سَلَّيتِني

الصَبرُ شَهدٌ عِندَما جَرَّعتِني

وَالنارُ بَردٌ عِندَما أَصلَيتِني

كُنتِ المُنى فَأَذَقتِني غُصَصَ الأَذى

يا لَيتَني ما فُهتُ فيكِ بِلَيتَني

فالحب عاطفة إنسانية سامية يتساوى فيها البشر جميعًا، دون تفرقة أو تحيز.

سياسة الخصوصية

© 2025 جميع الحقوق محفوظة